مدينة القدس في العصر الكلاسيكي

مع الدكتور إبراهيم محمد عودة أبو اعمر مدير المعهد العالي للآثار في جامعة القدس وبحثه حول- مدينة القدس في العصر الكلاسيكي-

 

تكمن أهمية عرض هذا البحث القيم باعتباره شاهداً على تاريخ بيت المقدس في العصر الكلاسيكي الذي يمثل الفترة اليونانية /الهلنستية التي امتدت من عام 334 حتى عام 63 قبل الميلاد يليه الفترة الرومانية من عام 63 قبل الميلاد إلى 395 بعد الميلاد وبعدها تأتي فترة البيزنطيين حتى الفتح الإسلامي.

ويطلق في علم الآثار على الكلاسيكية انها الفترة الواقعة من 334 قبل الميلاد إلى 636 بعد الميلاد وهذا البحث : ) مدينة  القدس في العصر الكلاسيكي ( من إنجاز الدكتور إبراهيم محمد عودة أبو اعمر وعلى الرغم من صغر هذا البحث إلا أنه شامل وغني بالمعلومات لكننا سنعرضه باختصار في حلقتين اثنتين والدكتور أبو اعمر من مواليد عام 1968 م في بلدة زعترة التابعة لمدينة بيت لحم ومن انتاجه العلمي العديد من الكتب والأبحاث والكتابات في الصحف والمجلات ومن هذه الكتب : الفسيفساء والخزفية في الفن الإسلامي ومعاصر العنب في العصر البيزنطي والاسبلة في مدينة القدس وجامع عمر بن الخطاب في بيت تعمر قضاء بيت لحم وكانت رسالة الماجستير الصادرة من جامعة القدس بعنوان : )مقامات الأنبياء في قرى الخليل ( أما رسالة الدكتوراة فكانت بعنوان : ) دراسة تاريخية وأثرية لقصور الحمراء في مدينة غرناطة في اسبانيا ( ومؤرخنا خريج جامعة غرناطة الاسبانية .

 

هذا وقد شارك الدكتور أبو أعمر في العديد من المؤتمرات واللقاءات المحلية والدولية حول الآثار والتراث الثقافي وجاء عمله تجسيداً لحقيقة الإنتماء لهذا الوطن حيث قام بالإشراف على مجموعة من التنقيبات الاثرية العلمية ومشاريع تأهيل المواقع الاثرية في فلسطين كمشرف مشارك في تنقيبات أثرية منها : خربة بيت بصه في بيت ساحور وه  ي تمثل العصر الروماني والبيزنطي والإسلامي واليوم باحثنا مدير المعهد العالي لآثار في جامعة القدس .

 

مدينة القدس في العصر الكلاسيكي وقعت القدس في العصر الكلاسيكي في بؤرة الصراع بين مراكز القوى للمثلث المتعادي الرؤوس في بلاد اليونان  ومصر وفارس، مما ولد حراكا اجتماعيا وسياسيا وعسكريا تمثل في عبور الجيوش المتصارعة ومحاولتها السيطرة على المنطقة وتكوين جسر لرأس حربة متقدم يهدف لتهديد أو صد أو قطع الطريق على القوى المنافسة مما ولد حراكا داخليا ظهر على شكل تحالفات أو صدامات مع القوى المحلية )السكان الأصليين( والمقصود بالقوى المحلية هو المجتمع السكاني على اختلاف مشاربه وأقوامه وطوائفه وقبائله.

 

العصر الكلاسيكي

يمثل العصر الكلاسيكي الفترة اليونانية/الهلنستية التي امتدت من عام 334 قبل الميلاد، وحتى الفتح العربي الإسلامي لفلسطين عام 636 م. وتعرف هذه الفترة في علم الآثار باسم )علم الآثار الكلاسيكية( وهو العلم الذي يختص بإعادة بناء الحياة القديمة في بلاد اليونان وروم  اوالمناطق التي دانت بالحضارتين الإغريقية والرومانية عن طريق المكتشفات الأثرية وتصنيف بقاياها المادية .

 

حملة الاسكندر المقدوني

إن تحديد ملامح هذا العصر يبدأ بالحملة الأسطورية للاسكندر المقدوني على العالم القديم 336 قبل الميلاد التي امتدت إلى الشرق، وخاصة إلى بلاد فارس وممتلكاتها على حوض المتوسط أو خلال أربع سنوات 334 - 330 قبل الميلاد قضى الاسكندر على الإمبراطورية المذكورة في سلسلة من المعارك أبرزها معركة غرانيكوس 334 قبل الميلاد التي سيطر بها على مدن آسيا الصغرى الساحلية. وقد كان للنصر الذي حققه في معركة ايسوس 333 قبل الميلاد ان فتحت أمامه بلاد الشام . فسلمت له ببلوس )جبيل( وصيدا ثم صور فقد حاصرها سبعة أشهر وسقطت عام332 قبل الميلاد مما أدى به إلى قتل ثمانية آلاف من أبنائها وبيع المئات منهم في سوق الرقيق، بعد ذلك اتجه إلى غزه وهي المدينة الساحلية الثانية التي رفضت التسليم فحاصرها أربعة شهور وانتهت إلى ما انتهت إليه صور . ثم عرج الاسكندر إلى القدس، إذ يقول المؤرخ يوسيفوس إن الفتح اليوناني من قبل الاسكندر للقدس كان قد تم صلحا وان اليهود استقبلوه وراحوا يتضرعون إليه طالبين العفو . حيث قابله الكاهن الأكبر بالترحاب ومضى معه حتى دخل القدس، فلما رأى الاسكندر هذا الاستقبال الحافل، أكرم رئيس الكهنة وعفا عن اليهود، وأعفاهم من دفع الجزية في السنة السابعة ، ومن الوسائل التي اتبعها الاسكندر نشر الثقافة الإغريقية في الشرق، بناء مدن جديدة على النمط الإغريقي، وصبغ بعض المدن الكبرى بالصبغة إلاغريقية الطابع ، ولكن الاسكندر مات قبل أن يرى أحلامه الكبيرة تتحقق، أو تنهار أمام ناظريه وكان ذلك عام 323 قبل  الميلاد الأمر الذي أدى إلى الصراع بني قواده على تولي شؤون الإمبراطورية وكبر وفي الصراع بين أدعياء ميراث الاسكندر .

 

فلسطين بؤرة الصراع

وقعت فلسطين في هذا الصراع ، فكانت مسرحا للمعارك والحملات المضادة، الأمر الذي الحق بها وبسكانها ضررا كبيرا وعندما هدأت الأمور نسبيا نحو سنة 280 قبل الميلاد كانت إمبراطورية الاسكندر مقسمة بين ثلاث دول كبرى وهي السلوقين في غرب آسيا، والبطالسة في مصر، والانطونيون في مقدونيا وبلاد اليونان الأوروبية. إلا أن احدا منهم لم يقر للآخر بالأراضي التي وقعت في يده، ولذلك استمر الصراع بشان الحدود طويلا. وفلسطين كمنطقة حدودية انتقلت مرات عديدة من يد إلى أخرى. وبعد مد وجزر استقرت أخيرا في عام 301 قبل الميلاد في يد بطليموس الأول ملك مصر. وخلال مدة حكم البطالسة من 3 قبل الميلاد كانت فلسطين جزءا من الولاية المعروفة رسميا باسم سورية وفينيقيا وكانت حدود هذه الولاية عرضة للتغيير بحسب ميزان القوى بين السلوقين والبطالسة. وعلى العموم فقد ضمت دمشق ونصف الساحل الفلسطيني وشرقي الأردن. والى حد كبير حافظ البطالسة على التقسيم الإداري الذي كان قائما في فلسطين أيام الفرس . اعتبر البطالسة القسم الذي ظل في حوزتهم من سوريا وحدة إدارية سموها سوريا- فينيقيا وأطلقوا على الأقسام الإدارية التي قسمت الولاية على أساسها وكانت هذه ستا منها بيت المقدس حيث احتفظت بالحدود التي كانت لها من قبل. ومن الناحية النظرية كان الكاهن الأعظم هو المسؤول عن الشعب اليهودي إلا أن الكاهن لم يكن حاكما مستقلا. عرفت بيت المقدس حتى منذ أيام الفرس، مجلس شيوخ يسمى غروسيا. كان أعضاؤه من رؤساء الأسر الكبيرة ورجال الدين الكبار النبلاء العلمانيين الأثرياء وأصحاب الأملاك .

 

القدس تحت حكم الامبراطورية السلوقية وبعد أن ربح انطيوخس الثالث معركة بانياس ضد البطالسة عام 198 قبل الميلاد غدت فلسطين جزءا من الإمبراطورية السلوقية . وقد لقي انطيوخس الثالث في بيت المقدس لما دخلها استقبالا حاراً تبين موقف انطيوخس بالذات من الجماعة الدينية في المدينة. فقد منح سكان المدينة حق العيش بمقتضى ناموسهم، وأعفى سكانها من الضرائب ثلاث سنوات، ثم أمر بإنزال ثلث هذه الضرائب باجمعها بعد السنوات الثلاث الأولى. أما أعضاء الغيروسا والعاملون في المعبد فقد أعفوا من دفع الضرائب إطلاقا. فضلا عن ذلك فقد تبرع انطوخس بالمال لإصلاح المعبد أو بناء أجزاء جديدة أضيفت له . 

 

 

ومنذ ذلك الوقت ابتدأ الاتجاه الهليني في المجتمع يعلن عن نفسه فاخذ أبناء الطبقة الارستقراطية يتخذون أسماء يونانية إلى جانب أسمائهم المحلية بما  فيهم كهنة المعبد، وراحت الأفكار السياسية والاجتماعية اليونانية تنتشر بين أفراد الشرائح المتعلمة حتى أن هؤلاء قد رفعوا التماسا للملك السلوقي لكي يأذن بإقامة صالة ألعاب رياضية ) جمنازيوم ( في القدس ، وان يسجل أهل المدينة تحت اسم الإنطاكيون في القدس. ومعنى ذلك أن تنال المدينة مكانة

البوليس اليونانية تحت لقب إنطاكية. ورغم أن الملك السلوقي قد استجاب بترحاب لمطلبهم إلا أن العملية لم تتم بسبب معارضة الفريق المحافظ . ومن  حكام السلوقيين انطيوخوس ابيفانوس فقد احتلها سنة 168 قبل الميلاد وهدم أسوارها ودك حصونها ونهب معبدها . ثم خربه وقتل من اليهود الكثير، واتى بجند من اليونان لحمايتها وبنى لهم فيها حصنا. بناه بشكل يمكنه من الإشراف على التل الشرقي وعلى المدينة القديمة ، وعامل انطيوخوس اليهود شر معاملة فذبح على مذبحهم الخنازير ونصب فوقه التماثيل . وقد استمر هذا الوضع حتى انجاز ثورة المكابيين سنة 166 قبل الميلاد والمسماة بثورة الحشمونايم نسبة إلى أسرة Hasmonean والتي استهدفت الملك والمستغرقين معه وك ل الحكم السلوقي .

 

بيت المقدس في العصر الهلنستي

ومهما يكن من أمر فإننا نملك على الأقل شواهد نصية على تشييد أبنية جديدة في بيت المقدس خلال العصر الهلنستي . وذلك في محاولة لتحويل بيت المقدس إلى مدينة يونانية أي بوليس. ولكن لم يصلنا شيء من أثار هذه الأبنية التي اختفت معالمها والتنقيبات الأثرية لم تعثر إلا على بقايا قليلة من العصر الهلنستي، ولم نتلمس وجود منطقة سكنية متكاملة تعكس تخطيط مدينة يونانية وفق طراز الشوارع المتعامدة  Hippodamian ومن المعروف أن محاولات هلينة بيت المقدس بلغت ذروتها في عام 165 قبل الميلاد، عندما تم بناء مذبح لزيوس الاولمبي فوق تقدمات البخور في المعبد في محاولة لقمع الديانة اليهودية .

 

بيت المقدس في العصرالروماني

في نهاية العصر الهلنستي يبدأ عصر جديد ألا وهو العصر الروماني، ففي عام 63 قبل الميلاد تمكن القائد الروماني بومبي من دخول مدينة القدس بعد   القضاء على الوجود اليوناني والمكابي في المدينة. ولكي يكون الأمر واضحا منذ البداية عمد بومبي إلى تحطيم بيت المقدس. ومنعا لاستمرار الثورات والفوضى التي عرفتها المدينة في العهود السابقة اصدر بومبي قرارا يقضي أن تحكم القدس من قبل رئيس الكهنة يوحنا هيركانوس الثاني بعد أن عين واليا على سوريا تتبعه القدس وغيرها، وقد انهي عهود الأمراء، والملوك الصغار وأزال الكاهن الأعظم اليهودي هيركانوس الثاني وجرده من رتبته الملكية، وقسم الولايات الشرقية إلى خمسة أقسام على كل قسم وال يعاونه مجلس . وعندما قضى بومبي نحبه في روما واستولى على العرش يوليوس قيصر 49 قبل الميلاد تنفس اليهود الصعداء ذلك لان يوليوس كان معروفا بميله إليهم  فولى انتيباتر الحكم وجعله كوال منتدب من قبل روما لإدارة البلاد 46 قبل الميلاد وأقام من تحته هركانوس الحشموني حاكما على القدس. ولكن النفوذ المكابي القديم قد ضعف، وسلطة الحشمونيين كانت قد تضاءلت حيال سلطة انتيباتر الادومي. ولما مات انتيباتر تسلم زمام الإدارة في القدس ابنه فصايل. وكان أخوه هيرودس واليا في الجليل فراح الحشمونيون بقيادة هيركانوس والادومييين بقيادة فصايل يقتتلون في شوارع القدس، فكانت الغلبة في بادئ الأمر، للحشمونيني. وهرب هيرودس إلى روما. وكان يوليوس قيصر قد مات .

 

 

القدس تحت السيطرة الفارسية مؤقتاً

في سنة 40 قبل الميلاد عاد الفرس وتمكنوا من الاستيلاء على بلاد الشام بما فيها القدس، إلا أنهم لم يتمكنوا من البقاء فيها طويلا حيث استطاع الرومان استعادتها سنة 38 قبل الميلاد وعينوا هيرودس الكبير بن انتيباتر الادومي ملكا على اليهود سنة 37 قبل الميلاد .

 

عودة الرومان وتعيينهيرودس الادومي ملكاً على اليهود

وهريودس الكبير عرف بالعربي لأنه كان ادوميا من جهة الأبوين، وهذا سبب تلقبه بالعربي، لان الادومين ينتمون إلى الذخيرة السكانية لشبه الجزيرة العربية. وفي القرن الأول قبل الميلاد كانوا قد ذابوا تماما واختلطوا بالانباط العرب، رغم بقاء اسم أدوم يطلق على مناطقهم التقليدية. أما عن ديانة هيرود فكانت نوعا من اليهودية السياسية التي ورثها عن أبيه انتيباتر الذي لم يولد من أسرة يهودية ولكنه تهود خلال خدمته في القصر الملكي وترقيته فيه. من هنا أن اليهود لم يعتبروا هيرود يهوديا قط، مثلما لم يعتبر نفسه هو كذلك . وفي موضع آخر ذكر أن هيرودس كان ادومي الأصل ، والادوميون عرب، ولكن اليهودية فرضت عليهم بحد السيف، لكن ذلك لم يغير عنصرهم العربي، واليهود في منطقة القدس كانوا يعتبرونه بالنسبة لهم غريبا عنهم. ولكن الجميع قبلوا به مرغمين . ونظرا للمكانة العالية والمرموقة التي لقيها هيرودس من قبل الإمبراطور أغسطس شهدت فلسطين عامة والقدس خاصة في عهده تطورا عمرانيا كبيرا فقد أقام في مدينة القدس الكثير من المباني العمرانية التي لا تزال شاهدا على تلك الحقبة الزمنية من تاريخ مدينة القدس. ومن أهم أعماله انه بنى القلعة الكائنة بباب الخليل. وبنى حولها ثلاثة أبراج . وهي البرج المعروفة برج فاسيل )أخوه(، وبرج هببيكوس )صديقه(، وبرج ماريا )زوجه(. وقد أقيمت كل من هذه الأبراج الثلاثة على ربوة عالية، ومن الحجارة الكبيرة، وكانت لها كسوة، ومجهزة بأدوات الدفاع. والبرج المعروف حاليا برج داود وهو الذي بقي من الأبراج الثلاثة، وهو برج باسيل. كما بنى برجا رابعا على بعد ألف ياردة إلى الشمال الغربي وسماه بسيفينوس وكان بعيدا عن الأبراج الثلاثة الأخرى . 

وعمد إلى بناء قلعة انطونيا، في موقع قلعة باريس الحشمونية عند الزاوية الشمالية الغربية من جبل المعبد من اجل إحكام قبضته على المدينة ومراقبة التحركات المعارضة لسياسته. وعلى مدى ثلاثين سنة من حكمه عمل على تحويل بيت المقدس إلى مدينة هيلينستية، فلقد أعاد بناء  قصر الحشمونيين .كما وأقام هيرودس في بيت المقدس ما لا يتفق مع اليهودية من ميدان سباق الخيل ومسرح ومدرج وأقام ألعابا عامه . أما البناء الأهم الذي يعزى إليه فهو ما يعرف باسم المعبد )الثاني(. والمهم انه من الخطأ النظر إلى بناء المعبد هذا كدليل على حماس هيرودس الديني فنحن نعتبر انه تعبيرا عن حب البذخ الذي امتاز به ذلك الوالي لان كل المباني التي عزي بنائها إلى عهده كانت بنفس المستوى. وان المعبد لم يكن في المقام الأول مكانا للتعبد وانما مركزا ماليا هاما وعليه كانت تعتمد الاعمال المصرفية والتجارية . وقد أعاد هيرودس بناء مدينة القدس وفقا للمخطط اليوناني والذي  يعتمد على الشوارع المتعامدة والتي بالعادة تمتد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب . وهذا التخطيط يتألف في العادة من شارع راسي يعرف باسم Cardo Maximus وتعني المحور الكبير وآخر عرضي يسمى Decumanus أي العاشر. وقد وجد هذا التخطيط إضافة إلى مدينة القدس بكثرة في العصر الروماني فنشاهده في مدينة سبسطيه، نابلس، قيسارية، وبيسان. 

 

من آثار هيرودس

أكثر آثار هيرودس أهمية وديمومة، هو شبكة المياه التي زود بها المدينة لسد حاجة الأعداد المتزايدة للسكان حيث أقيمت العديد من البرك وقنوات المياه التي كانت تزود المدينة بالاحتياجات الأساسية من المياه . هذا وقد سكت على عهد هيرودس 40 قبل الميلاد في مدينة القدس نقود نقشت عليها باللغة اليونانية اسم الملك هيرودس وأعاد بناء سور القدس . وفاة هيرودس ونهاية سلطة اليهود إن مملكة هيرودس كانت كيانا سياسيا مصطنعا استحدثه الرومان لسببين، الأول هو رغبتهم في ضبط اكبر مساحة ممكنة في سورية الجنوبية تحت إدارة واحدة كفؤة، والثاني قوة شخصية هريودس وكفاءته  السياسية والدبلوماسية العالية . وظل هيرودس حاكما على القدس حتى توفي عام 4 قبل الميلاد، وبموته انقسمت مملكته بين ورثته وأهمهم هيرودس أغريبا حفيد هيرودس الكبير ثم ابنه أغريبا الثاني، وسرعان ما اندلعت الحرب بين اليهود والرومان في الوقت الذي شبت فيه الفتن والصراعات بين اليهود، واتجه القائد تيطس Titus عام 70 م إلى مدينة القدس ونجح في تدمير أسوارها وهدم المعبد وحرم الرومان على اليهود الاقتراب من القدس ، وأوقع  باليهود وقتلهم وأسرهم عن آخرهم إلا من اختفى. وخرب بيت المقدس ونهبه واحرق المعبد وأخلى القدس من بني إسرائيل .

 

وفي عام 132 م شبت ثورة اليهود الثانية أو ثورة باركوخبا لتحرير القدس من أيدي الرومان، انتهت هذه الثورة عام 135 م عندما قام الإمبراطور  هادريان بهدم ما تبقى من القدس وبنى فوقها مدينة ايلياء، كما بنى معبدا لآلهة الروم  ان جوبيتر وحرمت السلطات الرومانية على اليهود دخول  المدينة وفرضت عقوبة الإعدام على أي يهودي يضبط داخلها . ونظرا لأهمية مدينة القدس في الفترة الرومانية سواء كانت من الناحية الاقتصادية أو  السياسية فقد سكت بها نقود في فترات مختلفة نخص بالذكر فترة الإمبراطور هدريان . وقد ورد اسم إيليا كابيتولينا على احد الأحجار المنقوشة شرق بوابة المدينة القديمة خلال الحفريات التي جرت في منطقة باب العمود . وقد كانت الديانة الرسمية لإيليا هي الديانة الرسمية للإمبراطورية فقد بنى معبد جوبيتر  على أنقاض المعبد القديم. وأقام تمثالا لنفسه أمام المعبد. كما أقام أيضا معبدا لفينوس عند موقع الجلجلة . ومن ناحية أخرى فقد اهتم الرومان بالتجارة لذلك اهتموا ببناء الطرق، فكان الإمبراطور هدريان 117 -138 م من أكثر الأباطرة اهتماما ببناء الطرق، ك ان من أهمها في فلسطني طريق عكا- اللجون-  سبسطيه- نابلس-إيليا كابيتولينا . ويعتبر عام 313 م نقطة تحول في تاريخ مدينة القدس والمنطقة بأسرها حيث اعتلى الإمبراطور قسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية وكان ميالا للنصرانية فاعتنقها واصدر مرسوما يسمح فيه بإطلاق الحرية الدينية في جميع ولايات الإمبراطورية الرومانية وأصبحت النصرانية الديانة الرسمية للدولة . وقد قام قسطنطين ببناء ما يلزم للدولة المسيحية وطبعها بالطابع المسيحي وخاصة تلك الأماكن التي لها علاقة بالسيد المسيح بحيث أصبحت من أهم مراكز الدين المسيحي، حيث قامت الملكة هيلانه أم الإمرباطور قسطنطني بتشجيع من ابنها بإنشاء العديد من المباني المرتبطة بحياة السيد المسيح وكان ذلك أثناء زيارتها إلى مدينة القدس فقد أنشأت كنيسة القيامة . وبالنسبة لتخطيط مدينة القدس سواء شوارعها أو مبانيها، يمكن التعرف عليها من خلال الخارطة الفسيفسائية التي عثر عليها في كنيسة مادبا في الأردن والتي يعود تاريخها إلى القرن السادس الميلادي . وهذه تعد أقدم خريطة وجدت للمدينة كما كانت عليه في ذلك الوقت. فالمدينة كانت محاطة بأسوار عالية وقد رتبت بشكل بيضاوي تنقصها الزاوية اليسرى من الأعلى ولا يظهر في الخريطة سوى الحائط الغربي لساحة المعبد، وللمدينة أربعة أبواب على الأقل وهي الباب الشمالي وهو باب العمود، الباب 

الشرقي وهو باب الأسباط وبجانبه الباب المغلق الذي يعرف بالباب الذهبي، والباب الغربي وهو باب داود وباب الخليل. ويخترق المدينة شارعان على جوانبهما أعمدة، احدهما وهو الأكثر انخفاضا وهو الشارع الذي يعرف اليوم بسوق خان الزيت ويمر هذا الشارع أمام كنيسة القيامة التي تظهر مقلوبة وهي المعلم المركزي في المدينة ثم يمتد إلى كنيسة العذراء مريم وينتهي عند كنيسة صهيون. أما الشارع الثاني العلوي فانه يتجه من ساحة الباب الشرقي، باب الأسباط نحو الجنوب الشرقي، طريق الواد، وفي وسطه يلتقي بشارع آخر قادم من الشرق ويبدأ من الباب الشرقي. وعند نهاية الشارع هناك قوس قرب الباب الشمالي وهو باب العمود الذي ربما كان هو الباب القديم للسور الذي بناه هيرودس الكبير حول منطقة السوق . وقد كانت مدينة القدس مدينة مقسمة إلى أحياء أو مناطق باستثناء منطقة المسجد الأقصى كانت مهجورة . هذا وقد استمرت مدينة القدس تحت سيطرة الحكم الروماني  البيزنطي حتى سنة 614 م حينما استولى الفرس على المدينة وقاموا بتخريب كنائسها، إلى أن تمكن هرقل من احتلال المدينة وطرد الفرس منها. وبقي  الأمر كذلك إلى أن فتحها المسلمون بقيادة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام 638 م. 

 

الخلاصة

وخلاصة الأمر أن الفترة الهلنستية لم تترك أثرا )عمرانيا، حضاريا( واضحا إلا عبر روايات تاريخية لم تؤكد صحتها  بالحفريات، إضافة إلى معلومات بسيطة تم الحصول عليها من خلال الحفريات الأثرية، عكس الفترة الرومانية التي ظهرت آثارها جلية في عهد أباطرة الرومان وخاصة الملك هيرودس، وقام البعض الآخر بطمسها وهدمها لأسباب سياسية ودينية. ومن إنشاءات هيرودس النهوض بالأبنية على اختلافها، وقنوات المياه وشق الطرق وإحياء المدينة عموما بإقامة المراكز الترفيهية إذ تم بناء مدينة ذات  طابع متعامد. والملفت للنظر عدم  وجود تأكيد على بناء معابد لطائفة معينه إلا من خلال الرواية التاريخية. هذا وقد دخلت القدس دائرة الصراع نتيجة وقوعها في مركز تنافس مراكز الحضارة في العالم القديم ولم تكن الهدف المركزي بحد ذاته. كما أن الحراك السكاني هو حراك محلي طبيعي نتيجة تجاذبات داخلية وخارجية اشتركت فيه جميع شرائح ومكونات المجتمع وحكم فيه الأقوى. إن إهمال الأقوام والقبائل والمجموعات السكانية الأخرى على طول الساحل والوسط والجنوب بصراعاتهم وحضاراتهم وعمرانهم له أهداف سياسية. ثم أن الإشارة إلى عروبة هيرودس لها مغزى سياسي ديني  أيضا ولكنها قليلة التأثير. ظهر التأثير المسيحي الديني على المدينة جليا في أواخر المرحلة من خلال الأبنية والتخطيط وخاصة كنيسة )القيامة( ثم سطع نجمها في المراحل الأخرى، هذا وقد تم التعرف على تخطيط المدينة البيزنطي ذي الأهمية الدينية والعمرانية والجغرافية وعلو قيمتها الإنسانية العالمية دينيا من خلال مادبا التي تعود إلى القرن السادس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

C:\Users\Ahmad\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\008.jpg

إعداد الباحث عباس نمر

عضو اتحاد المؤرخين العرب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

موسم النبي روبين