قناة السبيل ، تاريخها وأهميتها وواقعها

من مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات دراسة حول:

«قناة السبيل ، تاريخها وأهميتها وواقعها » شريان الحياة الرئيس في القدس قديما

C:\Users\Ahmad\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\page21_5.jpg

لقد نشر الدكتور إبراهيم محمود أبو ارميس بحثه في مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات وهي مجلة علمية حكمة تصدر عن الجامعة كل أربعة أشهر ، وقد حظي بحث : ) قناة السبيل ، تاريخها وأهميتها وواقعها ( شريان الحياة  الرئيس للقدس الشريف ، بموافقة المحكمين وإشادتهم بالموضوع القيم ، علماً أن هذه المجلة تحتل مكاناً متقدماً بين المجلات الفلسطينية والعربية وصدر منها لغاية اليوم  31 عدداً ممتازاً ويشارك فيها باحثون من فلسطين ومن غالبية الدول العربية وبعضهم من الدول الأجنبية والمشرف العام للمجلة الاستاذ الدكتور يونس عمرو رئيس الجامعة ، ورئيس التحرير الاستاذ الدكتور حسن عبد الرحمن السلوادي ، عميد البحث العلمي والدراسات العليا في الجامعة وعضو مجلس البحث العلمي الفلسطيني ، ويشارك في تحريرها نخبة من المختصين في المجالات العلمية التي تعنى بها المجلة وللعلم فإن المجلة أدرجت ضمن الموسوعات الدولية التي تضم أشهر المجلات العلمية المحكمة في الدول العربية ومن باب العلم فإن عمادة البحث العلمي والدراسات في الجامعة ومن ضمن سياستها في دعم الباحثين والمؤلفين لنشر كتبهم ومؤ لفاتهم العلمية أصدرت الجامعة خمسة  عشر كتاباً في مجالات مختلفة تخدم فلسفة الجامعة والمجتمع الفلسطيني ضمن مسؤولياتها الاجتماعية في معالجة القضايا التي تهم ابناء الوطن . ويتزامن صدور هذه الحلقة مع حفل تقيمه الجامعة لإطلاق هذه المؤلفات العلمية التي تعد انجازاً فكرياً له دلولاته في مسيرة البحث العلمي على مستوى الوطن.

 

ومؤلفنا وباحثنا الدكتور أبو ارميس من مواليد بلدة زعترة في محافظة بيت لحم ومواليد عام 1967 م وله العديد من المؤلفات والأبحاث المنشورة بالإضافة إلى رسالة الماجستير وهي بعنوان قرية ارطاس تاريخ وتراث وأيضاً رسالة الدكتوراه كانت حول مدينة غرناطة في عصر بني نصر في نهاية القرن الخامس عشر آخر حصن للمسلمين في الأندلس ، وقد شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية بالإضافة إلى مشاركته في عدد من الحفريات الاثرية في هذا الوطن .هذا وعلى الرغم من قيمة البحث التاريخية إلا أنني سأختصر منه وسأبدأ بالمقدمة:

 

مقدمة البحث

إن قنوات المياه إلى القدس هي أحد رموز هندسة الري في العالم القديم ، وهي جهد بشري جماعي عدا عليه الزمن ، ولم ينل حظه من الرعاية والحفظ فعند لحظة التطور التقني الحديث انقضت على القنوات معاول التخريب والطمس والإزالة ، منهية ما يزيد عن ألفي عام من حاجة القدس المتواصلة إليها ، حيث ارتبط استقرار سكان المدينة كمجتمع في كل مراحل تطوره بها ، وكانت كثافته السكانية مرتبطة باستمرار تدفق ماء هذا الشريان سلباً أو إيجاباً .

وإن كانت القنوات المائية عبر التاريخ وسيلة دفاع وهجوم في الوقت نفسه ، فإن قنوات القدس لعبت هذا الدور منذ البدايات ، حيث هوجمت وقطعت ثم فتحت ، وأعيدت إلى مسارها مراراً وتكراراً وقد كانت على العموم تتويجاً لواحدة من فنون الهندسة القديمة المعتمدة على التسييل الطبيعي باستغلال الفارق البسيط في الارتفاع رغم بعد المسافة حيث نجح المهندس المحلي القديم في تتبع جريان الماء عبر تعرجات بعيدة عن المسار المباشر فصمم قنوات مكشوفة وأخرى مغطاة فخارية وصخرية وعدل مسارات وحفر أنفاقاً ثم مسطحات مائية هدفها التجميع والضغط والدفع باتجاه الهدف . إن القنوات ليست مجرد شقوق في الأرض بل هي نظام ري متكامل استغل كل قطرة ماء سقطت في الأودية على جانبيها كما ظهرت جاذبيتها في نظام الأنفاق وطريقة عملها ثم في نظام القناة الحجري القائم على مئات المكعبات الحجرية المثقوبة في الوسط ، مع أفاريز متداخلة تكمل إحداها الأخرى ، وتحتفظ بكامل الدفق المائي عند استواء الأرض بعيداً عن التبخر والهدر وهي نموذج لأحدث تصاميم الأنابيب الخراسانية في وقتنا المعاصر حيث  قام الفني أو الحجار بجهد هائل في تسوية المئات من النسخ الثقيلة )الخرزات( وتصميمها وجمعها في خطوط متناسقة ومحكمة مما ساهم في استمرار تدفق الماء فيها إلى بدايات القرن العشرين .

 

قناة السبيل.. تاريخها وأهميتها بنيت قناة السبيل في الفترة الرومانية ، أما قبل ذلك فقد تزودت القدس بالمياه من خلال عين أم الدرج )عين سلوان( الواقعة جنوب شرق المدينة بواسطة نفق يربط مصدر النبع بالمدينة ، حيث أسهم إعادة تخطيط المدينة في الفرتة المذكورة في إفقاد العين كفايتها ، وذلك مع امتداد العمارة الرومانية إلى الهضبة المطلة على الوادي ، حيث فقدت الصلة المباشرة بالإضافة إلى الكفاية المذكورة وبهذا فقد أنشئ نظام مائي ينسجم مع التخطيط الجديد من جهة ، وليسد الحاجات المتزايدة من المياه نتيجة زيادة عدد السكان من جهة أخرى . إن تطور المدينة في العصور القديمة ونموها المتزايد أدى إلى استهلاك مياه الأمطار المتجمعة في الآبار الداخلية ، ولم تعد العين القديمة تكفي حاجات المدينة مما حدا بأصحاب القرار في ذلك الوقت للتفكري بجلب المياه من خارج المدينة ، ومن مناطق بعيدة حيث توافر هذا في مناطق جنوب المدينة ) القدس ( الغنية بينابيعها ، وذلك بواسطة شبكة من القنوات التي سارت بخط ميل بسيط مع منحدرات الجبال والتلال متغلبة على العوائق الطبيعية بأنفاق تحت الأرض .

 

القنوات الرئيسية

وقد تمثل ذلك في ثلاث قنوات رئيسة هي قناة السبيل ، أو قناة العروب وسميت أيضاً بالقناة السفلى ، حيث تصل مياهها إلى الأقصى الشريف ، وتزود سبيل الكأس الشهير وسط الحرم وهي موضوع البحث ، والقناة الثانية وتعرف باسم القناة العليا وقد بنيت زمن الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس 146 - 211 م الذي حكم روما 211-193 م ويقول Amihi Mazar إن هذه القناة تبدأ من تحت البركة العليا في   برك سليمان وتسير إلى القدس وهي استمرار متواصل لقناة البيار )القناة الثالثة ( وهذا ينافي الواقع إذ يوجد فروق في مناسيب الارتفاع وفي هندسة البناء حيث كانت القناة العليا تزود بالمياه من نفق عين صالح ومن ثم تمضي بموازاة السفح الشمالي لوادي ارطاس وبعدها إلى بيت لحم وتتبع خط الكنتور الطبيعي على ارتفاع 800 متر فوق سطح البحر لمسافة 13 كيلو متر وعلى طول مسافتها ، فإن طريقها قريبة من مصبات المياه ، ولذلك فإن خطها تقريباً مستقيم والجزء الأول منها وكذلك أجزاء بالقرب من الضواحي الجنوبية للقدس قرب دير مار الياس مبنية من اسمنت روماني قوي والجدار بعرض ) 1.6 م( والقناة بعرض ) 50 سم( وبارتفاع ) 75 سم( وهناك أجزاء محفورة في الصخر ويعود السبب في استخدام تقنيات مختلفة في البناء إلى تباين حاد في انحدار القناة على مسافة امتدادها فالقناة الإسطوانية المغلقة ترتفع عن سطح البحر أكثر من القناة المبنية فوق سطح الأرض الأمر الذي يؤدي إلى خروج المياه منها إن كانت القناة مفتوحة .

إن مسافة القناة العليا هوائياً تعتبر أقل من القناة السفلى بسبب سريها ضمن مناسيب أعلى وهي كذلك أقصر منها ، وقد تبعرثت أنابيبها وخرزاتها عند عمليات الحفر والإعمار .

 

قناة وادي البيار

أما بالنسبة للقناة الثالثة فهي تعرف باسم قناة وادي البيار ، هذه القناة تسحب مياهها من ينبوع عين الدرج في وادي البيار إلى البركة العليا من برك سليمان ، وطولها ) 4.7 كم( ثلاثة أرباع هذه المسافة تقع في أنفاق تحت الأرض وهندسة هذه القناة تختلف عن هندسة قناة العروب ، فأول ثلاثة كيلومرتات منها عبارة عن نفق واحد طويل محفور على عمق  5- 23 متراً على طول الوادي ، وحفر ما يقرب من ) 80 ( فتحة عمودية في النفق ، ويمكن رؤية ) 23 ( حفرة منها اليوم ، وهذه الحفر مستطيلة ومعدل المسافة بين الواحدة والأخ  رى ) 35 م( وأقسام النفق بين كل حفرتين تمت عن طريق مجموعتين منفصلتين من العمال ممن كانوا يعملون بطريقة متقابلة وكل حفرة مستطيلة الشكل وجزؤها العلوي عمودي وتستمر إلى الأسفل على هيئة مجموعة من الدرجات المنحدرة والنفق نفسه بارتفاع ) 1.5 متر( وبعرض ) 0.8 متر( وينتهي إلى منحدر صخري في الوادي حيث يتغير التكوين الجيولوجي وتستمر القناة لمسافة ) 700 متر( كقناة مكشوفة مفتوحة ثم تمر عبر نفق آخر بطول ) 460 متر( حفر على شكل عشر حفر عمودية أعلاها بعمق ) 30 متر( ، والحفرتان المتوسطتان الواقعتان أسفل قمة سلسلة الجبال يفصل بينهما ) 62 متر( ، بينما الحفر الأخرى كانت المسافة بينهما من ) 30 - 50 متر( ، وهي حفر مربعة في قطعها وفيها مجموعة من الدرجات المنحدرة في جزئها العلوي ، وبعد هذا النفق تستمر القناة لمسافة كيلومتر واحد مبنية أو محفورة في الصخر والجزء الأخير منها أعيد بناؤه من قبل البيزنطيين عام 1924 م ، ويأخذ المياه من بحرية اصطناعية أنشئت عن طريق إقامة سد بني عند  وادي البيار تماماً في البقعة التي يتحول فيه النفق بطول ) 3 كم( إلى قناة مكشوفة . 

 

أهداف الأنفاق

إن الهدف من حفر النفقين هو تجاوز إعاقة ارتفاعات الجبال أو الأودية والحفاظ على انحدار يؤمن إسالة المياه من مصادرها لغاية وصولها إلى البركة العليا من برك سليمان هذا ويعمل النفقان على زيادة كمية المياه الواردة إلى البركة ، لأن تقنية الأنفاق تهدف إلى الوصول إلى سطح المياه الجوفية المخزنة في الطبقات الطباشيرية ، وكذلك جاء تعدد الأنفاق على خلفية التغيري المفاجئ للتكوين الجيولوجي للصخر مما استوجب توقف النفق الأول وبناء قناة مائية تصل النفق الثاني الذي حفر حين توافر تكوين جيولوجي سمح بذلك أما بخصوص الفتحات العمودية في النفقني فهي تسهم في تسهيل عملية الحفر لصعوبة حفر النفق من جهة واحدة ، إضافة إلى أن هذه الفتحات وهي تعد أقصر القنوات وتصب ماؤها في برك سليمان ومن ثم إلى القدس .

 

قناة السبيل

إن قناة السبيل وهي موضوع البحث قد استمدت مياهها من عيون وادي العروب ومن ثم إلى برك سليمان كما سيتم تفصيله . ويعود بناء هذه القناة إلى العصر الروماني وما زالت هذه القناة ماثلة داخل القدس ، ودعاها العرب المسلمون قناة السبيل ، ويكاد المؤرخون يجمعون على أن الذي بناها من وادي العروب إلى القدس هو بيلاطس في القرن الأول الميلادي . وقد ذكره المقدسي فقال عن القدس : قَلَ دار ليس فيها صهريج واكثر وبها ثلاث برك عظيمة عليها حماماتهم لها دواع من الأزقة وفي المسجد عشرون جباً مشجرة وكل حارة وفيها جب مسبل غري أن مياهها من الأزقة وقد عمد إلى واد فجعل فيه بركتان تجتمع إليهما السيول في الشتاء وشق منهما قناة إلى البلد تدخل وقت الربيع فتملأ صهاريج الجامع وغيرها . وكذلك ذكر ناصر خسرو في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي فقال : ) قد رأيت على ثلاث فراسخ من المدينة صهريجا كبيراً تنحدر إليه المياه من الجبل وتتجمع فيه وقد  أوصلوه بقناة إلى مسد المدينة حيث يوجد أكبر مقدار من مياه المدينة ( وقد تررد اسم قناة العروب مرات عدة في وقفية المدرسة التنكزية حيث كانت تزود المدرسة المذكورة بالمياه التي كانت تصل إلى البركة المثمنة وسط المدرسة وأيضاً الطهارة والحمام وحوض السبيل في المدرسة .

 

قناة السبيل من العروب إلى الأقصى

إن تتبع خط سير قناة السبيل من العروب إلى المسجد الأقصى المبارك مهم في هذا البحث وإن جريان الماء إلى القدس كما هو الحال في جميع القنوات الرومانية كان يتم عن طريق الجاذبية ولذلك كان لا بد أن تكون مصادر المياه أعلى من مستوى المدينة المراد تزويدها بالماء ، وقد وجدت هذه المصادر جنوب القدس في ثلاث تجمعات في وادي العروب حيث كانت ينابيع المياه ترتفع عن سطح البحر بمعدل ) 810 أمتار( ، وفي وادي البيار حيث يوجد في الطرف الجنوبي لهذا الوادي ينبوع ماء بارتفاع ) 870 متراً( عن سطح البحر ، وفي منطقة برك سليمان يوجد ينبوع مياه فوق البرك بارتفاع ) 800 متر( عن سطح البحر ، واثنان تحت البرك بارتفاع ) 765 متر( عن السطح ، وآخر مكان تصل إليه مياه أدني القنوات عن سطح البحر هو جبل المسجد الأقصى الذي يرتفع ) 735 متر( وهذه الإختلافات القليلة في الارتفاع والعوائق الطبوغرافية العديدة كانت تتطلب طريقاً طويلاً متعرجاً تسير فيه القنوات مع درجة ميلان خفيفة جداً . والجزء الأول من هذه القناة الذي نسميه قناة العروب يجري من عني كويزيبا في الجنوب إلى منتصف برك سليمان وهذه المنطقة تحتوي على عدد من الأودية الصغيرة مما تطلب أن تسير القناة مسافة ) 40 كم( على الرغم أن المسافة المباشرة تبلغ ) 10 كم( وتجمع المياه من عين الفريدس الواقعة غرب البركة عبر قناة مغطاة بألواح حجرية وتتجمع المياه الغزيرة للينابيع الأخرى في وادي العروب لتخزن في بركة تتسع لعشرين ألف متر مكعب . القناة مبنية على جدار عال ، ولكن في المنطقة الصخرية شرق بيت فجار فهي عبارة عن قناة محفورة في الصخر أو جزء منها محفور وجزء مبني ومغطى بقطع الحجارة وعرض القناة في هذا القسم ) 50 سم( وارتفاعه ) 50 - 60 سم( ، وفي ثلاثة أماكن تجري القناة تحت سلاسل الجبال أو الأودية ويمكن تمييز مرحلتي بناء رئيسيتين لقناة العروب ، المرحلة الأولى تنسب إلى فترة المعبد الثاني والمرحلة الثانية زمن الممالك . والقناة تسير بشكل متعرج في الاتجاه الشمالي الشرقي بموازاة وادي العروب وبعرض يقارب ) 50 سم( وارتفاع ما بين ) 60-50 سم( وكانت القناة محفورة في الصخر أو مبنية جزئياً بالحجر المقطوع ، وغطيت ببلاطات حجرية بعد ذلك تمر من خلال نفق عبر سلسلة من التلال غرباً ثم شرقاً وتستمر التعرجات في الالتفاف مستمدة مياهها من ) 15 ( وادياً في المنطقة ، وبطول ) 44 كم( للحفاظ على ميلانها ، وتسير على السفوح الجنوبية الشرقية لجبال ارطاس حتى تصب في البركتين الوسطى والسفلى من برك سليمان . ويمكننا رؤية هذه القنوات جنوب برك سليمان تحت القناة العليا  الرغم من أن معظم معالمها قد شوهت ودمرت وتعاني الإهمال والاعتداء ، ويمكن رؤية آثار القناة السفلى وهو أنبوب فخاري يعود إلى زمن المماليك حيث عمر في القرن الثالث عشر الميلادي وجدد في القرن السادس عشر الميلادي ، هذا وتستمر القناة السفلى من برك سليمان عبر انفاق أرضية متقطعة باتجاه بيت لحم حيث ظهرت أجزاء منها بالقرب م ن جامعة بيت لحم في صيف عام 2008 م ، وأيضاً ظهرت قبالة مبنى التربية والتعليم القديم ) دار  امية ( ، كما  استمر ظهور بقايا قناة السبيل في منطقة مستشفى الكريتاس في بيت لحم وكانت قناة مفتوحة من شمال بيت لحم إلى صور باهر .

وهناك انابيب فخارية مبنية في القناة ويمكن مشاهدتها على طول هذا الإمتداد حيث تلتف القناة حول قرية صور باهر عكس عقارب الساعة مع طريق القدس أريحا القديم ثم تتجه إلى جنوب الطالبية عبر نفق تحت قصر المندوب السامي وبطول ) 250 متراً( وقد وجدت في النفق بقايا القنوات الفخارية التركية وكذلك فتحات يمكن رؤيتها بجوار قصر المندوب وعلى بعد ) 150 م( منها ، ويؤدي النفق إلى قناتين تقود احداهما إلى الثوري ثم إلى منطقة الحرم ، حيث تدخل منطقة الحرم أسفل باب السلسلة شمال المدرسة التنكزية ومن ثم تسير بشكل شبه مستقيم باتجاه جنوب شرق حتى تنتهي إلى الكأس مدخل المسجد الأقصى. هذا وقد جاء في الدراسة الحديث حول كيفية تشييد القناة مع تعمري القناة عبر التاريخ وخصوصاً في عصر المماليك والدولة العثمانية وتضمن البحث حماية القناة وحراستها وكيف قامت الدول المتعاقبة بتعيين عدد من الموظفين لحمايتها والمحافظة عليها ومنهم الناظر والكاتب والحارس ووضعت للقناة عددا من الموظفين لحمايتها ما بين البرك والعروب ، وكانت الدولة العثمانية تقدم لسكان القرى التي تمر منها القنوات تسهيلات كثيرة مثل الإعفاء من الضرائب . 

 

كلمة يجب أن تقال

إن قناة السبيل واحدة من المعالم العمرانية التاريخية التي رفدت سكان مدينة القدس بالمياه لأجيال متعاقبة ثم تحولت أثراً بعد عين وطالتها عوادي الزمن والإهمال فجفت مياهها وهدمت أركانها وخربت أنابيبها وحطمت أقنيتها على مرأى ومسمع من السكان والمسؤولين وكأن مياهها لم تجر أو تهدر يوماً أو لم تسق منها المقيم والعابر . وعلى اعتبار أنها من تراث الأمة التي عانت في حفرها وتسويتها قديماً فكان لا بد من إلقاء بصيص من الضوء عليها من منابعها حتى مصابها اذ طالما سهر سكان القدس عند انقطاع مياهها وجاب الحرس والخيالة مجراها الطويل في جولات تفقدية دائمة ، وصدرت العشرات من المراسيم الحكومية بشأن اعمارها وتنظيفها وشرب كثير من الرحالة من مياهها ، كما أقيم كثير من المراكز والعمائر لخدمتها  ، ثم حفرت العديد من البرك من أجل تجميعمياهها . إن القناة تصميم هندسي فريد استخدم أساليب متنوعة من حجارة مكشوفة إلى أنابيب أرضية فخارية وصخرية ثم معدنية ، كذلك امتزجت القنوات المنخفضة بالقنوات المحمولة المرتفعة سواء المغطاة منها والمكشوفة ، وكان الأمر كله بهدف الإبقاء على مدينة بيت المقدس في حالة منسجمة كوحدة سكانية واجتماعية رغم الفوارق الجنسية والمذهبية . لهذا وجب إعادة هيكلة القناة كمعلم أثري ، رغم انتفاء وظيفتها التقليدية بالتطور التقني الحديث.

 

 

 أخيرا

إن كانت القنوات بحاجة إلى المزيد من الشرح والتفصيل لأنها يوماً كانت شريان القدس الشريف من الماء وهي أيضاً تراث هندسي عظيم إلا أننا نكتفي بما استطعنا إيراده آملين من مؤرخنا الدكتور إبراهيم محمود أبو ارميس أن يجمع ما عنده من أبحاث حول هذه القنوات ليدون في كتاب نفيس وكذلك أتقدم بالشكر الجزيل لأسرة المكتبة المركزية لجامعة القدس المفتوحة في مدينة البيرة منطقة البالوع والشكر موصول للأستاذة رجاء أبو عليا أمينة المكتبة لعنايتها الفائقة برواد المكتبة من طلاب وباحثين وتيسير كل وسائل المطالعة والخدمة الجادة والمفيدة .

 

 

C:\Users\Ahmad\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\008.jpg

إعداد الباحث عباس نمر

عضو اتحاد المؤرخين العرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

موسم النبي روبين