النكبة

 

النكبة وذاكرة المكان وأثرها
في أدبيات محمد شحادة البدوانة

 

ونحن جلوس في بيت الأديب والشاعر محمد شحادة البداونة أبن قرية راس أبو عمار قضاء القدس والتي دمرت عام 1948م حيث تألق الشاعر البداونة في كلمة نثرية عفوية لدى سماعه أقوال المنكوبين فقال : 

وعلى إيقاع النكبة ، فلا يطيب الكلام إلا بأهله ، وقد نكون نكأنا بعض الجروح ولكنها الذكريات التي تُصر أن تطل برأسها كل لحظة على من يتجرعون آلام النكبة والتهجير وليس أصدق من لسانهم من متحدث ونسوق إليكم نحن أهل الراية ذاكرة الآباء لننقلها إلى الأجيال القادمة ، لأن لكل نازح قصة وما أصعب مشاهدة النزوح والتهجير ن فمنهم من ترك منجله فوق زرعه المحصود ومنهم من طردوا قبل أن يكملوا قطف زيتونهم ومنهم من ترك أمه أو أباه أو أخاه قتيلاً لا يستطيع دفنه أو يقتل بجانبه ومنهم من ترك أغنامه بدون طعام أما أنا من مواليد عام 1957م .

تفتحت عيناي على بيوت الزينكو ، في مخيم صغير ووجدت أصنافاً من المعاناة في طابور اللاجئين وهم يستلمون حصصاً تموينية شهرية .

ومن محاسن الصدف أن والدي ووالدتي كانا في حديث دائم عن قريتهم التي هُجروا 
منها " راس أبو عمار " ، حيث أخبرني والدي " رحمه الله " أنه غالباً ما يرى في أحلامه أنه يتجول في قريتنا ، وغالباً ما كان يعدد لي أسماء أوديتها وجبالها وعيونها وروابيها وهذا الحديث دفعني لكتابة بيت من الشعر على لسانه يقول : 

يا أرض فـراقـك يـكويـنـي       من تربك منشأ تكويني

ويوم صدمته الكبرى حين شعر أن حدود الدولة الفلسطينية لم تشمل قريته وفجرت هذه الرؤيا الشاعرية مرة أخرى الشجن في نفسي حين كتبت :

يـا مـن بـحـب بلاده يترنم     هل لي بغير ترابها من بلسم
يا أيها الشادي سيحضنني الحمى     ابلغ جذور التين فيها من دمي

وحنيني إلى تلك الروابي والتي لم أشاهدها إلا مرتين في حياتي وهاجسي من الموت غريباً عنها يفجر في النفس الأسى ولقد كتبت الكثير في ذلك :

يسكنني وطنـي كمـا الروح  والبعد يـدمـي الجـروح
وإذا مـا حـدثنـي الـموت  وبقايا ذكـرى سـأبـوح

وعلى ذلك فإن هرمنا فإن هذا لا يعني أننا نسينا ولكن سننقل الراية لأبنائنا وأحفادنا .

 

 

النكبة وأثرها على 

الحاج نمر أبو عكر

 

حديث الذكريات والشجن أفتتحه الحاج نمر أبو عكر من قرية راس أبو عمار قضاء القدس بموال شعبي قال فيه :

يا ظريف الطول خذني عالبلاد

لامشي عاقدامي من وادي لواد

وأحنا تغربنا وموالي ماعاد 

يترنم فرح وأوف وميجنا

 ثم قال : أنا عمري على أبواب الثمانين ولي مهجر (63) عاماً لا أنام قبل أن يمر طيف قريتي في عقلي وخاطري ، يأخذني شريط الذكريات لقريتي راس أبو عمار كل ليلة فأذكر مواسم الحصاد وجني الزيتون والفرح الغامر في الأعراس والمناسبات السعيدة .

أشعر أن الغربة تأكلني وأن عمري فقط هو السنوات التي قضيتها في مسقط رأسي " راس أبو عمار " ومهما تملكنا من بيوت وفلل ن لكننا في الغربة والقلب هناك ، أحن إلى مرابع الصبا ومنابت الأهل ,كنا مرتاحي البال ، ولكن هذه الأيام أشعر بأسى غامر لفراقي قريتي وكل مال العالم لا يساوي ذرة من ترابها الطهور .

 

لا يوجد للغربة واللجوء
إلا طعم واحد : " المرار " 

 

تقول الحاجة أم إبراهيم عياد من قرية راس أبو عمار : لقد كبرت وأصبح جسمي لا يقوى على حملي ، ومع ذلك فإن الوطن عزيز وجميل وعلى أرضه نجد عزتنا ، إحنا يا ابني في بلاد الغربة نحس بالغربة ومن يوم خروجنا من قريتنا عام 1948م كثرت الهموم ولن تنتهي إلا بالعودة لأن طعم الحلاه تغير ، من سادة ومُلاّك في راس أبو عمار إلى لاجئين في مخيمات نتجرع آلام النكبة والحسرة ، يا بني يمر شريط الذكريات مع من هن أكبر مني واللواتي سبقنني إلى الموت ، حيث كنا نلعب سوياً ونمرح في قريتنا ، هادئي البال والعمل لا يتوقف طوال العام ولا يوجد للغربة واللجوء إلا طعم واحد طعم عيشة المرار لكثرة مرارتها .

أنا على مشارف التسعين ومستعدة أن أسير مشياً على الأقدام لأموت في هدوء تحت زيتونة أو في حضن دالية في واد الليمون وما أجمل أيام زمان .

 

النكبة عام 1948م 
هي تطهير عرقي 

 

سألنا أبو ياسر العزة من قرية تل الصافي قضاء الخليل والذي يسكن اليوم مخيم الدهيشة في محافظة بيت لحم عن النكبة وعن تل الصافي بمناسبة مرور (63) عاماً على نكبة فلسطين عام 1948م .

فقال : إن تل الصافي هي أجدى قرى قضاء الخليل والريف الفلسطيني داخل الأرض المحتلة كله خيرات وأرض خصبة والفلاح يعشق أرضه بطبيعته وذلك لانتمائه للأرض المباركة فلسطين ، وأهل الريف أناس أطياب وقريتنا تل الصافي كانت وادعة هادئة وفيهم البساطة وصدق في العمل نابع من عشقهم لتراب هذا الوطن وانسانه ، طبيعتهم جميلة ومواسم الخير والعطاء بركات من الله سبحانه وتعالى ، وسهراتهم بالأفراح والأتراح نابعة من القلب لا مراء فيها ، ويوميات الحصاد وقطف الزيتون حافلة بجماليات حب الأرض .

وما جرى لأهل تل الصافي بل لكل فلسطين عام 1948م هو تطهير عرقي لذلك علينا الحفاظ على التاريخ ومن لا تاريخ له لا وجود له فعلى الشعب الفلسطيني أن يعرف تاريخه مهما كان قريباً أو بعيد نحن في فلسطين منذ كنعان فلنا جذور في أعماق التاريخ ، أما مطلبنا اليوم هو العيش الطبيعي على تراب ورثناه منذ قديم الزمان وعمري اليوم (85) عاماً ، أقول بمناسبة مرور (63) عاماً على النكبة : إن الإنسان الفلسطيني أبن بيئته ، مغروس في وجدانه أن ما حدث في النكبة عام 1948م هو طمس لتاريخنا وتراثنا وحضارتنا وهويتنا ، ونسوا أن جذورنا وأرومتنا مغروسةً في الأرض المباركة وهي تاريخ ونبع لا ينضب والخير قادم .

 

النكبة وأثرها على الأبناء والأحفاد 

 

لأهمية أن الإنسان الفلسطيني ليس وليد المكان فقط بل هو وليد تاريخ مرتبط بالمكان ، وأسوق اليوم عدة شهادات حية لأناس عايشوا النكبة من لحظتها الأولى وآخرين ألقت بظلالها عليهم ليواصلوا مسيرة العودة والتي بدأها الأجداد وسار بركبها الأبناء ليعيش بفرحها الأحفاد وكان لنا هذا اللقاء مع الحاج عبد المجيد علي علقم ( أبو سليم ) (81) سنة وأبنته أم باسم وحفيدته سيرين التي أجرت اللقاء وقالت ما أجمل لقاء جيل ما قبل النكبة لأن الأرض جزء من مكنوناته وسررت من جيل ما بعد النكبة لأن الإنسان الفلسطيني بانتمائه للمكان أصبح مسقط رأس الآباء والأجداد جزءاً من نفسه أما الأحفاد فقصتهم نبراس لهم لأنها نسجت من روح المكان حتى غدت أسطورة فنمت ولن تتوقف إلا بالرجوع إلى المكان ليرتاح من المهجر والشتات ليكسر عصى الترحال .

وكان السؤال الأول للجد عبد المجيد علقم الذي كان من تجار مدينة بيت لحم وعضو مجلس بلدي منتخب (28) سنة ومدير الغرفة التجارية في المدينة . 

 

النكبة ومشاعر 
الحاج أمين الربعي ( أبو صخر )

 

وإن أنسى لا أنسى فيض مشاعر الحاج أمين عبد الفتاح الربعي أبو صخر (85) عاما أبن مدينة دورا الخليل والتي كانت تضم ما يزيد على المائة خربة بل أكثر قبل نكبة عام 1948م ومساحة أراضيها عام 1945م كانت (240704) دونمات ، استولى اليهود على (95000) دونما من أراضيها بما فيها الخرب والمزارع عام النكبة ، وكان أهلها جميعاً يتمتعون بالعمل في أراضيهم حراثة وزراعة وعناية فالأرض هي المنجم الذي يعود على الناس بالخير وقضاء الحاجات ودحر الفقر والجوع عن الأهل ، ومن لا يهمل أرضه أو يتخلى عنها لا عدائه فهو بلا مبدأ ولا دين ولا ضمير ولا يؤمن بالله واليوم الآخر .

وما زلت أذكر وبعد ثلاثة وستين وها أنا قد بلغت الخامسة والثمانين لا زلت أذكر كيف كنت مسروراً منشرح الصدر بانشغالي بالعمل في أرضي أصبحت منكوبة بحرب عام 1948م فقد كانت أسرتي تملك الكثير من الأراضي الزراعية في عدد لا بأس به من المناطق الخصبة التي سلبت خلال النكبة ومن تلك المواقع : واد القمح وأم خشرم وعيطون وأم الشقف واشلال أبو عرار وجمرة الرز .

ومع كل ما حدث فلم أيأس وبقيت أعمل في الأرض التي بقيت لي بعد النكبة في دورا ، وكم سأكون سعيداً بذلك اليوم الذي سأعود فيه إلى العناية بالأرض بالرغم من كبر سني وإن لم أكون فالأبناء والأحفاد يكملوا المشوار والأمل قوي وأراه قريباً وعليناً بالصبر ليعود الحق إلى أهله وخصوصاً الأرض التي سلبت منا نحن أهل فلسطين في غفلة من الزمن .

 

الثاني عشر من نيسان 1948 م

نكبة أهالي قالونيا 

 

في أثناء تحضيري لهذه الحلقة وصلتني دعوة للمشاركة في فعاليات إحياء ذكرى احتلال قالونيا ، من الهيئة الإدارية لجمعية قالونيا الخيرية وأعجبتني كلمات الدعوة ومفرداتها وهي امتداداً إلى تاريخ وتراث الإنسان المهجر من أرضه ففيها القيم والعادات والتقاليد وللأهمية أضع مما جاء في الدعوة : 

لم يكن يوم الثاني عشر من نيسان من العام ألف وتسعمائة وثمان وأربعين ، يوماً عادياً في حياة أبناء قرية قالونيا الواقعة على تلة مطلة على الشارع الرئيسي يافا – القدس والتي تبعد عن مدينة القدس 7كم إلى ناحية الشمال ، ففي ذلك اليوم غربت شمسها وأحلولك ليلها وخيم الظلام على أرضها وعلا الظلم في سمائها وانتزع منها أهلها وهجروا في أسقاع الأرض البعيدة ، اغتصبت أرضها وهدمت بيوتها واقتلعت جذور أشجارها ، فعبثت يد الغدر والعدوان في جمالها وانتهكت حرمتها وأرادت لها أن تصبح أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض ، وبعد مرور ثلاث وستين عاماً على عدوان الظالمين ، لا زالت قالونيا شامخة على تلتها الشاهقة تعانق سماء العزة والكرامة ، لا زالت ورغم طول البعاد ومشقة الغربة ترفض المحتل ، لا زالت عصية على التهويد والإنسلاخ من هويتها ، لا زالت تذكر أبنائها وتشتاق إليهم وتتطلع إلى اللحظة التي تعانقهم وتحتضنهم وتستعيدهم ، لا زالت شامخة أبية بأشجارها الرومية وطرقاتها الإسلامية ن وعيون مائها الغزيرة العذبة وكأنه البلسم الشافي وماؤها كأنه سر الحياة فمن حظي بشربة منها حاز الفضل وشرب الشهد ونال الخير ، كما أن أبنائها لا زالوا أحياء في ذاكرتها فهي لا زالت حية في أرواحهم فهي الأمل القريب وهي مهجة الروح ومحط الأفراح وهي المؤنس والسلوان وهي الحب والعشق لا بل هي لهم الحياة ، يجددون لها في كل عام بل في كل يوم وساعة ودقيقة وثانية بيعتها وحبها وشوقها وعزهم بها ، ولتبقى هذه المناسبة وبعد مرور ثلاث وستين عاماً على فراق أبنائها القصري لها وغربتهم عنها وشوقهم لها وحنينها لتقبيل جباههم ، نبراساً يضيئ لمحبيها الطريق .

تتشرف الهيئة الإدارية لجمعية قالونيا الخيرية بدعوتكم للمشاركة في فعاليات إحياء ذكرى احتلال قالونيا تحت عنوان (( لن ننتظر عودتها نحن العائدون )) حضوركم تشريف لنا وترسيخ حبكم لقالونيا ، وتجديد بيعتكم مع أرضكم وفلسطين والجذور . 

 

 

C:\Users\Ahmad\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\008.jpg

إعداد الباحث عباس نمر

عضو اتحاد المؤرخين العرب

 

 

8

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

موسم النبي روبين